مجمع البحوث الاسلامية

287

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

للتّعبير عن معنى واحد بألفاظ متعدّدة ، وهذا تفنّن في الكلام ، وربّما يبلغ مرتبة من الإعجاز . على أنّ هناك فرقا جوهريّا بين الثّلاثة ؛ إذ كلّ منها يبيّن مرحلة من العمل الّذي كلّف به موسى ، فقوله : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ، يحكي بداية العمل ، والجيب : فتحة القميص أو الجبّة من الصّدر والعنق . وقوله : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ، يحكي استمرار العمل ؛ إذ كلّف بأن يسلك يده في جيبه بعد إدخالها فيه مرورا بصدره إلى جانبه . وقوله : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ ، يحكي نهاية العمل ، وهو ضمّ اليد وإيصالها بعد المرور على الصّدر وإلصاقها بجناحه . والجناح في الأصل : جناح الطّائر ، ويطلق مجازا على اليد والعضد والإبط والجانب فكلّف موسى أن يضمّ يده اليمنى إلى جانبه الأيسر ، فاللّه تعالى كرّر القصّة في القرآن اهتماما بها ، وأومأ إلى جميع مراحلها بتعابير عديدة ، لذّة للقارئين ، وعبرة للمعارضين ، وإفحاما للشّاكّين في بلاغة القرآن . 5 - أمّا الطّائفة الثّانية - وهي الآيتان ( 8 ) و ( 9 ) فاتّحدتا تماما : وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ، * والنّزع لا يكون إلّا بعد الضّمّ والإلصاق المستفاد من الآية ( 5 ) ، فهو قلع واستئصال للشّيء عمّا لصق به مباشرة ، وهذا منتهى العمل . 6 - وقد راعى اللّه في بيان هاتين الآيتين - وهما العصا واليد البيضاء - التّرتيب في جميع الآيات ، فقدّم الأولى على الثّانية عند تكليف موسى وعند إتيانه بها على السّواء . ولعلّ السّرّ فيه أنّ في قلب العصا ثعبانا هيبة وإخافة للنّاظرين ، فيبعثهم على التّسليم ، ولينظروا إلى آية اليد البيضاء خاضعين لها ، وهذا هو سرّ تعدّدهما ، فلم يكتف بإحداهما . 7 - جاء في الثّلاث الأولى قوله : تَخْرُجْ بَيْضاءَ ، * فنسب خروجها بيضاء إلى اليد لا إلى موسى ، وكذلك في الأخيرتين : وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ، * نسب نزع اليد إلى موسى ، والبيضاء إلى اليد نفسها ، تركيزا لأنّها فعل اللّه لا فعل موسى كسائر المعجزات . وهكذا الأمر في آية العصا ؛ حيث جعل إلقاءها فعل موسى ، وقلبها حيّة ثعبانا من تلقاء نفسها ، أي من اللّه : فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى طه : 20 ، فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ الأعراف : 107 . وما يجلي الرّيب في كونها فعل اللّه هو خوف موسى : وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ القصص : 30 ، لاحظ « موسى » و « ع ص و » . ب - بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ : هذان وصفان تليا بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ، وقد اختلفوا اختلافا فاحشا في أنّ ( بيضاء ) أهي وصف ل ( كأس ) لأنّها مؤنّث ، أم « للخمر » المستفاد من السّياق ، وهي مؤنّث أيضا ؟ ولقائل أن يقول : ( بيضاء ) وصف ل ( كأس ) ، و ( لذّة ) ، وصف ل ( معين ) ، وهذا الوجه وإن كان بعيدا إلّا أنّه أقرب إلى الصّواب من قولهم . ونحن نفضّل أن تكون ( بيضاء ) وصفا ل ( كأس ) ، و ( لذّة ) تعليل لشرب ما في الكأس ، وحسبك النّظر في نظائرها :